محمد باقر الملكي الميانجي

11

مناهج البيان في تفسير القرآن

تلا قوله تعالى : « تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ - إلى قوله - : أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا » ثمّ قال : « أيّكم أحسن عقلا ، وأورع عن محارم اللّه ، وأسرع في طاعة اللّه . » فقوله : « أَحْسَنُ عَمَلًا » ؛ أي : أصوب وأصحّ عملا قد روعي فيه جميع ما أمر اللّه به ونهاه عنه . وفي مرحلة الامتثال والإتيان ، يجب ببداهة عقله أن يعرف موقفه وموقعه من ربّه - جلّ ثناؤه - كيف يقوم بين يديه ، وكيف يقدّم عمله إلى حضور ربّه . فإنّ الموقف موقف الحضور من ربّه ، والمخاطب والمقابل هو اللّه - سبحانه . فالواجب على كلّ عاقل التأدّب بخضوع المتّقين وخشوع المخبتين . قوله تعالى : « الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ » . قال الرازيّ في تفسيره 30 / 57 في ضمن كلام : أمّا دليل القدرة ، فهو قوله : « الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً » . . . وأمّا دليل العلم ، فهو قوله : « ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ » . قوله تعالى : « الَّذِي » معرفة . والمراد منه هو اللّه - سبحانه . وهو قرينة على أنّ الآية الكريمة ليست لإثبات أمر مجهول مشكوك ، بل مسوقة لتمجيده تعالى نفسه بالتذكرة والإرشاد إلى سعة علمه - سبحانه . فيعرّف تعالى نفسه إلى عباده بعلمه الوسيع غير المتناهي ، فيعرفونه تعالى عالما بالعلم الخارج عن حدّ التعطيل والتشبيه . و « طباقا » مصدر من باب المفاعلة ؛ أي : مطابقا نظم كلّ واحد من السّموات مع الآخر . والمطابقة بين الشيئين تكون من كلا الطّرفين وبين الأشياء من جميع الأطراف . فعليه تكون السّموات السّبع مطابقا جميعها مع الآخر في العنايات الحكيمة الّتي أرادها اللّه تعالى في هذه الخلقة الكبيرة . وقيل : المراد طبقة بعد طبقة ؛ أي : درجات بعضها فوق بعض ( الكشّاف 4 / 134 ) . والظّاهر هو الأوّل .